الميثاق الأخلاقي لمهنة الإعلام

بقلم : محمد الشريف

لفهم أخلاقيات الإعلام علينا أن نمر من فهم مصطلح  » الأخلاق  » أولا 

فالأخلاق لغة اشتقاق من لفظ خلق وجمعها أخلاق وورد اللفظ في القران الكريم  » وإنك على خلق عظيم  » القلم 4 

وقوله تعالى  » إن هذا خلق الأولين  » الشعراء 147

وجاء في لسان العرب لابن منظور  » الخلق بمعنى السجية والخلق بضم اللام وسكونها هو الدين والطبع والسجية وأوصافها ومعانيها المختصة.. ولهما أوصاف حسنة وقبيحة والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة “

أما كلمة « أخلاق » فترجمتها إلى اللاتينية

ETHICA وETHOS

ETHIQUE

وهي المبادئ والقواعد العلمية التي تحكم السلوك المهني  

واصطلاحا  » الأخلاق  » دراسة وتقييم للسلوك الإنساني على ضوء القواعد الأخلاقية التي تضع ضوابط للسلوك كالتزام يؤطر العمل 

ويعرفها جون فريمان بأنها  » مجموعة من المبادئ الأخلاقية وهي قانون غير مكتوب في كثير من الأحيان يعمل على توجيه سلوك الفرد  » 

وينظر الى أخلاقيات الإعلام على أنها تلك الأخلاقيات المتعلقة بمهنة الإعلام وهي مجموعة القواعد والواجبات المسيرة لمهنة الصحافة أو هي مختلف المبادئ التي يجب أن يلتزم بها الصحفي أثناء أدائه لمهامه 

فالأخلاقيات يصوغها الصحافيون أنفسهم في إطار النقابات المهنية (التنظيم الذاتي)أو تضعها مؤسسات الميديا 

وقد حُدّدت أخلاق الإعلام بقواعد السلوك المهني لتوضح للصحفي ما له وما عليه لضمان حرية الإعلام والصحافة وحرية الوصول إلى المعلومة في كنف الموضوعية والاستقلالية والنزاهة بعيدا على الإثارة والتشهير والتضليل

وكلمة

DEONTHOLOGIE

بالفرنسية تعني أخلاقيات المهنة أو مدونة السلوك المهني 

و هي مشتقة من اليونانية

DEON

بمعنى الواجب

LOGIE

وتعني العلم والدراسة 

ومدونة السلوك الصحفي هي

LA DEONTHOLOGIE JOURNALISTIQUE 

وهي مجموعة القواعد والمبادئ التي تحكم سلوك الصحفيين في ممارسة مهنتهم 

تطور مفهوم أخلاقيات المهنة 

ظهرت الطباعة في أوروبا مطلع القرن 15 عندما اخترع الألماني يوهانس غوتنبورغ آلة الطباعة بالحروف المتحركة لتزدهر طباعة الكتب وأصبحت متاحة بكثرة فتوسعت حركة القراءة والكتابة عند طبقة النبلاء ورجال الدين والتجار 

وفي القرن 16 بدأت الصحف والمجلات تنتشر شيئا فشيئا في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا فانتشرت الأخبار بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع من ذي قبل 

وازدهرت الطباعة والنشر في القرن 18 لكن رافقت ذلك مظاهر من الفوضى عكرت الأجواء وصفو بعض الناس حيث استعملت بعض الصحف في بريطانيا مثل

THE TATLER 1709 

THE SPECTATOR 1711 

THE CRAFTMAN 1726 

من أجل بثّ موجات من التشهير والافتراء والكذب ضد بعض الشخصيات والوزراء والنبلاء ولم ينج الملك جورج الأول نفسه من ذلك 

فرد البرلمان بالقانون الشهير

LIBEL ACT 

الذي جعل الصحفيين يفكرون في إنشاء مجموعة من القواعد تتصل بشرف المهنة و تحميهم من الملاحقات وتمنحهم المصداقية 

وقد تكون محاكمة جون بيتر لنغر عام 1735 هي العامل المحفز لإنجاز الميثاق 

وقد أصبحت هذه القضية رمزية لحرية الصحافة المسؤولة وبرزت على السطح فكرة الصحفي الشريف الذي لا يعاقب إذا نشر الحقيقة 

وكتب منظرو تلك الفترة وعلى رأسهم فولتير وديدرو عن الصحافة الحرة والمسؤولية ومفهوم – شرف الصحافة – كعامل لا يقل أهمية عن الحرية 

وقال فولتر

la liberte de dire ne justifie pas le mensonge –

– حرية القول لا تبرر الكذب – وقد أصبح هذا المبدأ من الأسس الأخلاقية الأولى التي بني عليها ميثاق شرف الصحافة لاحقا

وحتى تتبلور كفكرة مؤسسة لمهنة الصحفي والإعلامي كان لا بد لها أن تمر من عدة محطات وصولا على الآن وهنا 

بين 1720 و1790 ظهرت أعراف شرف غير مكتوبة بين الصحفيين الأوروبيين خصوصا في فرنسا وبريطانيا لمكافحة التشهير والشائعات

وفي 1842تأسست

SYNDICAT DE LA PRESSE FRANCAISE 

و بدأت و بإلحاح فكرة تحديد قواعد السلوك المهني التي شهدت ذروتها سنوات 1880/1890 عندما انتشرت أول مدونة شرف مكتوبة في الصحف الأوروبية مثل الالتزام بالصدق واحترام الخصوصية وتجنب الإثارة المضلّلة

 SENSATIONALISM 

وفي 1923 وضعت أول مدونة شرف في أمريكا

NATIONAL PRESS CLUB 

تضمنت قواعد محددة للتحقق من المعلومة والنزاهة المهنية 

وفي 1945 / 1950 إثر الحرب العالمية الثانية تطورت لجان أخلاقيات مستقلة داخل الصحف والإذاعات في فرنسا وبريطانيا وألمانيا لمراقبة الالتزام بالمعايير المهنية 

ميثاق أخلاقيات المهنة الصحفية

إبّان الحرب العالمية الأولى سعت الدول الأوروبية إلى وضع مشروع ميثاق لأخلاقيات المهنة الصحفية نظرا للدور الذي لعبته وسائل الإعلام في تلك الفترة 

وعام 1923 ظهر بيان رؤساء تحرير الصحف الأمريكية وتضمن موادا لها علاقة بميثاق قواعد الأخلاق الصحفية 

ويعد المؤتمر السابع للاتحاد العالمي للصحفيين في مدينة بوردو الفرنسية عام 1939 المنعرج الفارق في تاريخ الصحافة الحديثة حيث كان المحاولة الفعلية الأولى دوليا قبل الحرب الثانية فوضع المبادئ الأولى لما سيعرف بعد الحرب –بالأخلاقيات المهنية –وناقش المؤتمر العلاقة بين الصحافة والمسؤولية الاجتماعية في ظل الصراعات السياسية المنتشرة مما جعل استقلالية المهنة أمرا حتميا 

وتم التأكيد على الالتزام بالحقيقة وعدم تزييفها والتلاعب بها وعدم نشر الكراهية والتحريض كما تم التنصيص على الدفاع عن حرية التعبير حقا لا امتيازا 

وتبناها مؤتمر 1954 ليقر رسميا – الميثاق الدولي لأخلاقيات الصحفيين

CHARTE INTERNATIONALE D`ETHIQUE DES JOURNALISTES 

ومن أهم ما جاء فيه

الالتزام بالحقيقة واحترام حق الجمهور في معرفة الوقائع 

التحقق من المعلومات وتجنب نشر الشائعات أو الأخبار المضللة 

الامتناع عن التشهير والافتراء والإساءة المتعمدة للأشخاص 

عدم استغلال المهنة لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية 

احترام الخصوصية الإنسانية وكرامة الأفراد

عدم التمييز على أساس الجنس أو الدين أو العرق أو الانتماء

الدفاع عن حرية الصحافة كركيزة للديمقراطية وحقوق الإنسان 

التضامن المهني بين الصحفيين ضد كل أشكال الضغط والترهيب

في مؤتمر 1983جاءت أهم الإضافات في إطار الرد على استغلال الإعلام كسلاح سياسي ودعائي، ودعت إلى استقلال الصحفي لا رقيب عليه إلا ضميره  

التشديد على استقلالية الصحفي عن الحكومات والأحزاب والممولين

التنبيه إلى مخاطر الدعاية والتلاعب بالمعلومة في سياق الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب

إدراج مبدأ احترام الحياة الخاصة وقرينة البراءة للأفراد

التأكيد على أن الصحفي لا يخضع إلا لضميره المهني ولحق الجمهور في الحقيقة 

الدعوة إلى تضامن دولي بين الصحفيين ضد الرقابة والاضطهاد

ومواكبة للثورة الرقمية وانتشار الاخبار المضللة والضغط الاقتصادي على المهنة أعلن الكونغرس العالمي للاتحاد الدولي للصحفيين في تونس عام 2019 إدراج التعليمات التالية 

إدراج مبادئ تخص الإعلام الالكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي 

مسؤولية الصحفي عن دقة المحتوى الرقمي حتى فيما يتصل بالنشر على حسابه الخاص

مكافحة الأخبار الزائفة

FAKE NEWS

كواجب مهني أخلاقي 

الدعوة إلى شفافية مصادر التمويل الإعلامي وحماية الصحفيين من المصالح التجارية 

مبدأ المساواة بين الجنسين في المؤسسات الإعلامية وفي التغطيات 

التأكيد على سلامة الصحفيين وحمايتهم من العنف أو الملاحقات

تثبيت فكرة أن الصحافة مصلحة عامة لا سلعة تجارية ولا أداة دعائية 

الميثاق الأخلاقي للصحفيين التونسيين

هو ميثاق أخلاقي للصحفيين التونسيين يوجه سلوك الإعلامي في أدائه المهني ويضبط آليات القيام بالواجب بالانتباه إلى مجموعة من النقاط منها:

يلتزم الصحفي بالسعي إلى الحقيقة والعمل على إبلاغها إلى الرأي العام في إطار حقه في النفاذ إلى المعلومة 

يلتزم بالدفاع عن حرية الصحافة ولا يقبل المهام التي لا تتلاءم مع ضوابط المهنة وأخلاقياتها

يمتنع عن إمضاء وإنتاج أعمال صحفية ذات مستوى أو طابع إشهاري دون التنصيص على ذلك كما يمتنع عن صناعة مضامين إشهارية في صيغة أخبار 

لا يقبل الصحفي هدايا أو امتيازات خاصة مقابل أداء المهمة الإعلامية 

يرفض الصحفي استعمال صفته أو مسؤوليته لخدمة أغراض شخصية 

ينسب الصحفي المقتطفات التي يستدل بها إلى أصحابها ويمتنع عن انتحال كتابات الآخرين 

يمتنع الصحفي عن ذكر أي عنوان أو صفة أو خبر وهمي 

يحترم الصحفي آراء زملائه ولا يلجا الى ثلبهم ويتعامل مع المختلفين معه في الرأي بروح من التسامح وينسحب ذلك على صفحات التواصل الاجتماعي.

يمتنع الصحفي عن الممارسات التي من شأنها أن تتسبب في مشاكل مهنية لزملائه أو تكون سببا في حرمانه من ممارسة العمل الصحفي 

يلتزم الصحفي بالعمل من أجل تحقيق تضامن فعلي بين أصحاب المهنة وعليه ألّا يسعى إلى الاستيلاء على منصب زميله أو قبوله العمل في ظروف أسوأ وبأجر أدني 

يلتزم الصحفي بكل ما نشر تحت إمضائه وبموافقته التامة ويرفض تبني أو توقيع الأعمال الصحفية الجاهزة 

يحترم الصحفي السر المهني ويرفض الإدلاء بمصادر معلوماته 

يلتزم الصحفي بالدفاع عن قيم المساواة بين الجنسين وبعدم التمييز وبالدفاع عن الحريات الفردية والعامة  

رغم كل ما يسود الفضاء الإعلامي من فوضى محيرة فمازال الأمل يحدو الكثير من شرفاء هذه المهنة للخروج بها من النفق رغم قوة التيار العكسي الذي تقوده مجموعة من الإعلاميين المعروفين مدعومين بكتيبة من رجال الأعمال وبمصالح مرتبطة بأفراد محددين يبقى الردع والتعديل محدودا في ظل تعطل المؤسسات التعديلية والقوانين التي لا تخدم القطاع في شيء بل زادت في تردي الأحوال وعبث الفاسدين وتحكم المنحرفين والمارقين والشواذ، وجعلت من التافهين والسذج وفاقدي الذوق والأدب مشاهير