الإعلام الجديد والفوضى الخلاقة

بقلم : محمد الشريف

لم تكن ظاهرة التدنّي والتراجع في أهمية القيم الأخلاقية والإنسانية مفصولة عن واقع عام اجتاح كل العالم ولن تمر هذه الطفرة التكنولوجية والعلمية بدون تبعات في إطار قديم متجدد مرتبط بصراع أزلي بين قوى الخير وقوى الشر 

ومع كل الإيجابيات المرتبطة بالوسائط الحديثة وما غنمته البشرية من منافع تعلقت بسرعة إيصال المعلومة وتبليغها والتحرك على ضوئها فهناك الوجه الآخر للعملة متعلقا بالاستعمال والاستغلال والتوظيف وقتها سنكون في قلب الموضوع وتعقيداته وتفاصيله

فبضغطة زر واحدة يمكن أنْ تستفيد الإنسانية جمعاء بنقل سريع للخبر وبذات الزر يمكن أن يدخل العالم في فوضى سميت – بالفوضى الخلاقة –ونتطرق إليها في سياق تعدد الوسائط ومنصات التواصل الاجتماعي وتأثيراتها السلبية الذي عكرت الحياة وأشعلت الصراعات والمعارك بالزور والكذب والادعاء وحجب الحقيقة أو جزء منها وتوجيه الاتهامات وأكثر من ذلك 

فيصبح الإعلام الجديد متاحا بقوة لكل المستويات والأعمار والانتماءات والمزاجيات ومن وراء

keyboard

يمكن لأي كان أن يتسبب في الفوضى العارمة والأضرار الجسيمة 

فالمضامين الإلكترونية من خلال التدفق فائق السرعة أيضا والمشاركة والترويج الآلي والعشوائي، تساهم في انتشار الأخبار الزائفة والشائعات الكاذبة فتأخذ الناس إلى المصير المجهول والفوضى وعدم القدرة على التحكم أو التوقع إلى أي المسارات يمكن أن تتجه وهي حالة

– النظام الإعلامي المضطرب –

وقد يتداخل مع مضامين إعلامية أخرى قادمة من فلك آخر يشوش الفكر ويحجب الصورة ويجعل من توقع الأحداث وفهم واقع وحقيقة الأخبار الواردة صعبا وقد يبلغ الاستحالة إذا تعلق الخبر بدوائر معينة على قدر من الحساسية والخطورة

فتحضر الفوضى بكامل شروطها وتأثيراتها السلبية ويعمّ التخبط والعشوائية فيعجز المتلقي عن استيعاب الأحداث والإلمام بها ويحضر السلوك المستهتر فينشر على أساس أنه خبر موثوق المصادر 

 وفي تونس إبان الثورة حرصت الطبقة السياسية على تكريس هذا الفضاء الافتراضي لنشر أفكارها وتلميع صورها وتنفيذ أجنداتها زيادة عن وسائل الإعلام الرسمية التي فتحت لهم المجال على مصراعيه في فترات وأغلقته في فترات أخرى بحسب ما مرت به البلاد من مراحل سياسية متقلبة أثرت كثيرا على حرية التعبير صعودا ونزولا وصراعا بين السلطة والمعارضة وموازين القوى فيما بينها وضغط الشارع التونسي  

وقد تزامن كل ذلك مع بروز تقنيات حديثة تتيح التلاعب بالصور والنصوص والفيديوهات وانتشار مفهوم الاندماج بين مختلف تقنيات الوسائط المسموعة والمرئية والمكتوبة 

LA CONVERGENCE

فيكون المستخدم هو من يتحكم بوسيلة الاتصال ويُنتج مضمونا إعلاميا فتتحول العملية الاتصالية إلى حالة تبادلية بين المرسل والمستقبل بمعنى أن الاتصال من اتجاهين بين طرفي العملية الاتصالية

TWO WAY COMMUNICATION 

وأطلق على الإعلام الجديد عدة تسميات منها الإعلام التفاعلي لجمعه بين النص والصوت والصورة في ملف واحد تلعب فيه التقنية دورا في إضفاء خاصية التفاعلية على ذات المضمون بإضافة صورة أو تعليق خاص ثم ينشر من جديد 

وهو إعلام رقمي تتصل تطبيقاته بالتكنولوجيا الحديثة التي تغطي أي نظام أو وسيلة إعلامية من خلال الكمبيوتر

ويأخذ أيضا تسمية « إعلام الوسائط المتشعبة “(HYPERMEDIA  ) دلالة على استخدامه لبعض الوصلات المتشعبة (  LINKS ) المتصلة به كما أطلق عليه تسمية الإعلام الشبكي الحي على خطوط الاتصال 

(ONLINEMEDIA) لارتباط هذا النوع من الإعلام بشبكة الأنترانت مثل الشبكات الاجتماعية.

ويؤكد الباحثون في هذا المجال على الميزات في استبدال الإعلام الجديد الوحدات المادية بالرقمية وتشبيك عدد غير محدد من الأجهزة وتلبية الاهتمامات الفردية والعامة.

والميزة الأكثر أهمية هي خروج هذا الإعلام من أسر السلطة المتمثلة في قادة المجتمع والدولة إلى أيدي الناس جميعا، ودليله في تونس بتحريكه الثورة ومنحها الزخم المحلي والعالمي قبل نشوبها وعده

لنخلص إلى أن الإعلام الجديد بخصائصه وفضاءاته الافتراضية نقل الإعلام التقليدي إلى آفاق غير مسبوقة ومنح مستخدميه فرصا كبرى للتأثير والسفر عبر الحدود بلا رقابة إلا نسبيا وجعل صناعة الخبر والحدث عملية ميسرة مهنيا متيحا الفرص للتيارات المختلفة والاتجاهات والأقليات أن يكون لهم صوت سريع الانتشار وقليل التكلفة بعيدا عن الرقابة 

كما غير من جغرافية المنظومة الإعلامية وأخذها إلى ديناميكية متقلبة ومتسارعة ومعقدة تسودها الفوضى والاضطرابات اُصطلح على تسميتها

 » بنظرية الفوضى الخلاقة أو الشواش  » 

وقد وردت تعريفات متعددة لمفهوم (CHAOS) الشواش ومنها الفوضى والتشويش والاختلال الكلي كما تعني حالة التشويش المطلق حالة عدم الرؤية والعماء

وتعني الاضطراب الشديد بعيدا عن التوازن والنظام، تعود الكلمة إلى جذور يونانية قديمة تعني الفراغ البدائي والعدم السابق عن الخلق وأصبحت حديثا وضعا وحالة يختلط فيها كل شيء دون ضوابط وقواعد وقوانين

ودلالتها في العلوم السياسية والاجتماعية مرتبطة بانهيار النظام وانفلات السيطرة زمن الثورات والأزمات

وفي الإعلام تستعمل للإشارة مجازا إلى الفوضى المعلوماتية أو كما ذكرْنا

-الفوضى الخلاقة- في حالة استخدامها لإحداث التغييرات الكبرى 

تجليات الفوضى الخلاقة في الإعلام الجديد:

الفوضى الخلاقة نظام ديناميكي متداخل ومعقد ينطوي على سلوكيات غير منتظمة ومستقرة عناصرها المادية والرمزية مولّدة لمثل هذه السلوكيات، 

فيربك منظومة الإعلام في طبيعتها وبنيتها التحتية والمعرفية المتداولة وأثرها على المتلقي فردا كان أو جماعات وجماهير ويكرّس الفوضى في الفضاء من خلال الحضور المتنامي لأقمار الاتصالات والأقمار المتحركة وأقمار المراقبة والرصد. 

وتنزل تلك الفوضى إلى الأرض ويغذّي أطوارها الفضاء اللامتناهي لشبكة الأنترنت. والأخطر من ذلك كله فوضى المفاهيم والمصطلحات المتزاحمة مع فيضان من التدني اللغوي يؤدي حتما إلى تراجع مقاييس الجودة والإبداع 

فيقابل الإعلام المؤسساتي الذي تنتجه المؤسسات الرسمية والمنظمات العالمية والجمعيات والمؤسسات الحكومية، إعلام الفرد في المدونات والمفكرات الالكترونية الشخصية بمضامينها المتدنية  

فتدفقت رسائل متحررة من كل ضوابط التحرير والكتابة. وتصادمت الحرية النسبية بالحرية المطلقة في فضاء سيبيرني، وهو ما أنتجَ تراجعا لافتا للموضوعية أمام استفحال مظاهر الذاتية المفرطة، ونشر تفاصيل الحياة الخاصة والحميمة على صفحات الفضاء الافتراضي  

ومن إعلام تقليدي جماهيري أطلق عليه سابقا مسمى 

MASS MEDEA

إلى مجال الفردية ويسمى 

INDIVIDUAL MASS MEDIA

فأصبح بإمكان كل العالم أن يبث ويستقبل على نحو جماهيري وظل اتجاه ونسق التغيير الاجتماعي ضبابيا يصعب تحديد ملامحه ووارد انحرافه عن المتوقع 

لذلك اعتبر الإعلام الجديد خارجا عن السيطرة والضبط لا يقين فيه

وهو ركيزة النظام CHAOTIC SYSTEM المتضمن بالضرورة للفوضى والعشوائية 

يتضح التداخل والتعقيد في صياغة وبث واستقبال الرسالة والمضمون الإعلامي الذي يسلك الملايين من الشبكات والممرات والطرق الالكترونية المتشعبة وتجتاز الملايين من الكيلومترات، لتصل إلى كل الناس عبر الفضاء الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي 

وما كان يبث على شاشة التلفزة يمكن عن طريق تطبيق بسيط أن يعبر الكرة الأرضية في ثانية ويؤثر في مراكز القرار وسعر برميل النفط وأسهم البورصة وتحقيق الأرباح أو إلحاق الخسائر في ثوان قليلة.

ولا يستثنى الإعلام الرياضي من كل هذه الصراعات والتجاذبات والمصالح والطموحات الشرعية وغير الشرعية فيتمّ توظيفه لتحقيق الأهداف والغايات ما دام جهاز الكمبيوتر يوحّد الاستعمال ويجعله متاحا على نفس الدرجة ونفس الوقت، ليسخر في الاتجاهات الانتهازية والمصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة والنزاهة والصدق والموضوعية والحياد ومعارك الخير والشر الأزلية 

فنكون أمام ضرورة حتمية للرجوع إلى الجادة والالتزام بأخلاقيات مهنة الصحافي وتحكيم الضمير ومواصلة الحرب على الفساد والمفسدين في قطاع الإعلام عموما والقطاع الرياضي تحديدا فهو الذي يؤثر ويتأثر بالأجواء العامة للبلاد ودرجة استقرارها السياسي والاقتصادي.