بقلم : منية بن الهويدي
من فراس القطوسي الذي خسر تأشيرة السفر، إلى كارم بن هنية الذي أعلن اعتزالًا مؤلمًا بعد مسيرة مليئة بالميداليات
تتكرر القصة نفسها : أبطال يصنعون المجد بجهدهم الفردي، ومنظومة تبدو عاجزة عن مرافقتهم في الطريق إليه
هناك بلدان يُطلب من أبطالها أن ينتصروا في المنافسة
وفي تونس… يُطلب منهم أولًا أن ينتصروا على منظومة كاملة
ما حدث مع البطل فراس القطوسي، وما تلاه من إعلان اعتزال بطل رفع الأثقال كارم بن هنية، ليس مجرد حادثتين عابرتين في الأخبار الرياضية. إنهما في الحقيقة مرآة لخلل أعمق داخل المنظومة الرياضية في تونس، خلل لا يظهر فقط في النتائج، بل في الطريق الذي يُفرض على الرياضي أن يسلكه قبل أن يصل أصلًا إلى لحظة المنافسة
فراس القطوسي لم يخسر نزالًا… بل خسر تأشيرة
وكارم بن هنية لم يُهزم تحت الأثقال… بل تحت ثقل الإهمال
هذه ليست استعارات بلاغية، بل وصف دقيق لواقع يعرفه كثير من الرياضيين التونسيين: الطريق إلى المنصات الدولية لا يمر فقط عبر التدريب الشاق والانضباط الصارم، بل عبر متاهة من الإجراءات الإدارية، والوعود المؤجلة، وغياب التخطيط الواضح
في الدول التي تحترم رياضييها، تعمل المؤسسات في الخلفية بهدوء وكفاءة. كل التفاصيل الإدارية والتنظيمية تُحسم مبكرًا حتى يبقى تركيز الرياضي كاملًا على المنافسة
أما في تونس، فكثيرًا ما يجد البطل نفسه مضطرًا لخوض معركة موازية خارج الميدان: معركة مع البيروقراطية، وسوء التنسيق، والقرارات المرتجلة
السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا : كيف يمكن لمشروع رياضي بُني على سنوات من التدريب والتضحيات أن يتعطل بسبب ملف لم يُودَع في موعده؟ وكيف يمكن لمنظومة تدّعي دعم الأبطال أن تربط هذا الدعم بتحقيق الميدالية، وكأن الميدالية تُولد فجأة يوم المنافسة، لا بعد سنوات من الإعداد والاستثمار؟ الواقع يقول إن الرياضة في تونس لا تُدار بمنطق التخطيط طويل المدى، بل بمنطق ردّ الفعل. ننتظر الإنجاز الفردي الاستثنائي، ثم نهرول للاحتفاء به، ونرفع الشعارات ونلتقط الصور، وكأن المؤسسات كانت جزءًا من الرحلة منذ بدايتها. لكن الحقيقة التي يعرفها الرياضيون جيدًا هي أن البطل في تونس يسير غالبًا وحده. يُطلب منه أن يكون لاعبًا ومدربًا وإداريًا وممولًا في الوقت نفسه. وحين يطالب بحقه الطبيعي في الدعم، يُقال له: اصبر معنا. وحين يحتج، يُتهم بالمبالغة أو بالجحود. ثم يأتي السؤال المعتاد عندما يعلن أحدهم الاعتزال: لماذا ينسحب الأبطال؟ كارم بن هنية، صاحب 126 ميدالية منها 75 دولية، لم يصل إلى قرار الاعتزال في لحظة انفعال عابرة. ذلك القرار هو نتيجة سنوات من الإحباط المتراكم. أن يُطلب من رياضي بهذا السجل أن يثبت مرة أخرى استحقاقه لميزانية إعداد، فذلك ليس مجرد خلل إداري، بل دليل واضح على خلل أعمق في طريقة التفكير داخل المنظومة الرياضية. الأزمة في جوهرها ليست فقط أزمة موارد، كما يُقال عادة. إنها قبل ذلك أزمة عقلية. عقلية تختزل البطل في صورة تُرفع عند الفوز، ثم تُطوى عندما يحتاج إلى الدعم. المفارقة القاسية أن هذا البطل نفسه، عندما ينجح رغم كل العراقيل، يتحول فجأة إلى رمز وطني. تُفتح له الأبواب، وتُرفع صوره، وتُلقى كلمات التهاني. لكن قبل لحظة التتويج… كان يسير وحده. ما يحدث اليوم ليس مجرد قصة رياضيين اثنين. إنه تذكير مؤلم بأن المشكلة في تونس ليست في غياب المواهب، بل في غياب منظومة تعرف كيف تحمي هذه المواهب وتطوّرها
الأبطال لا يُصنعون بالبلاغات الرسمية، ولا بالوعود الموسمية، ولا بمنطق « حقق النتيجة أولًا ثم نفكر في دعمك ». الأبطال تصنعهم منظومة واضحة، واستثمار طويل، واحترام حقيقي لقيمة العمل الرياضي. أما ما يحدث اليوم، فهو أقرب إلى رهان دائم على الصدفة: نترك الأبطال يقاتلون وحدهم، ثم نتفاجأ عندما يقرر بعضهم الانسحاب . فراس القطوسي لم يُمنع فقط من السفر إلى منافسة… بل وجد نفسه أمام منظومة كان يفترض أن تسافر معه. وكارم بن هنية لم يعتزل فجأة… بل جرى دفعه تدريجيًا نحو هذا القرار. وإذا لم يتغير هذا المنطق، فإن القصة ستتكرر بأسماء مختلفة : أبطال يصنعون المجد بجهدهم الفردي… ومنظومة لا تتقن إلا صناعة العراقيل . وعندها لن يكون السؤال لماذا خسرنا الميداليات… بل لماذا خسرنا الأبطال أنفسهم
المشكلة أننا نطلب من الأبطال أن يصنعوا المجد… دون أن نصنع لهم الطريق. ولهذا السبب تحديدًا، لا يخسر بعض الرياضيين التونسيين في المنافسة. بل يخسرون قبل أن تبدأ أصلًا
المشكلة في تونس ليست في غياب المواهب
المشكلة أننا نطلب من الأبطال أن يصنعوا المجد… دون أن نصنع لهم الطريق. ولهذا السبب تحديدًا، لا يخسر بعض الرياضيين التونسيين في المنافسة. بل يخسرون قبل أن تبدأ أصلًا


