« ضربة استباقية في حرب »الجيوب

بقلم: أحمد عادل هاشم

القاهرة – مصر

إذا كانت أسوأ حرب شهدها التاريخ الإنساني هي الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها 65 مليون إنسان، فإن أسرع وأقصر حرب في التاريخ هي الحرب الإنجليزية الزنجبارية، التي اندلعت بين بريطانيا العظمى وسلطنة زنجبار.. بدأت الحرب في صباح يوم مشرق من أغسطس العام 1896، مع دقات التاسعة صباحا من هذا اليوم، الموعد المقدس للفطور، داخل قصر « باكينغهام » في لندن، جلست الملكة فيكتوريا على رأس مائدة الطعام المذهبة، لتناول وجبتها الصباحية.. مائدة عامرة عليها أطباق من البيض على خبز محمص، سمك، عصيدة، لحم الخنزيرالمقدد، السجق، والرنجة المدخنة على البارد.. وبعد مرور دقيقتين بالتمام والكمال، ومع أول قضمة من قطعة الخبز المحمصة، وفي الدقيقة 9:02 انطلقت المدافع.. ومع انتهاء الفطور الملكي، ومع انتهاء صاحبة التاج الملكي من آخر رشفة ماء تناولتها من كأسها الزجاجي المطعم بالذهب انتهت الحرب، واحتاج جيش بريطانيا العظمى 38 دقيقة فقط ليحقق انتصارا ساحقا

أما أقذر حرب عرفتها البشرية، هي تلك التي تشهدها غزة منذ ثلاث سنوات، ويعيشها لبنان وإيران حاليا.. هي حرب بلا قواعد اشتباك، تستبيح قتل الأطفال وتشريد الشعوب، وتدمير بلدانها، هي حرب التضليل السياسي الذي يمارسه الرئيس ترامب بالكذب على العرب، في كل الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية.. هي أول حرب يَخْرَسْ فيها « النظام الدولي » ويقف متفرجا أمام سفاح صهيوني، يمارس الذبح اليومي، وينهش لحم الأطفال والنساء والعجائز في فلسطين المحتلة، وعندما تحاول دولة مثل إيران مقاومة الحصار المطبق عليها منذ سنوات، والدفاع عن وجودها بتكنولوجيا محلية، تمنحها بعضا من »الدفاع، الذي قد يردع أو على الأقل يؤثر في العدوان على أراضيها، تهيج الدنيا في واشنطن وتل أبيب وأوروبا المتواطئة، ويتذكر قادنهم « النظام الدولي » الذي يزعمون كذبا أن له قواعد وقوانين حاكمة ملزمة لجميع دول العالم التي وقعت على ميثاق الأمم المتحدة، وينسون تعهداتهم وتوقيعاتهم ويستدعون القانون، ويدعون كذبا أن طهران تمتلك السلاح النووي، في تكرار وقح لما حدث في العراق، وامتلاكه لأسلحة دمار شامل، ثبت كذبها باعترافات قادة التحالف الدولي بقيادة بوش الإبن وتوني بلير المخادع.. بكافة المقاييس، هي حرب مكتملة القذارة بالمعنى الأخلاقي والإنساني والقانوني، تقصف خلالها الطائرات والأساطيل، حاضر ومستقبل الأمة، في محاولة تسعى لٍنحت تضاريس سياسية جديدة بالمدافع، وتطبق الحصار على مصر وتضعها تحت سيف الابتزاز

تاريخياً، اندلعت حروب ونزاعات غريبة بسبب أطعمة أو مواد غذائية، ربما كانت هكذا في ظاهرها، وربما كان باطنها، صراعات سياسية واقتصادية، وأيا كان السبب، فإن الطعام كان الرصاصة الأولى في اندلاع القتال

في العام 1838 قامت الحرب بين فرنسا والمكسيك، بعد اعتداء جنود مكسيكيون على صاحب مخبز فطائر فرنسي في العاصمة مكسيكو سيتي، وأحدثوا تلفيات شديدة فأمر ملك فرنسا جيشه بغزو المكسيك

حتى الكلاب، لم تنج من تهمة مسئوليتها عن إشعال الحروب، والعام 1925 يشهد على ذلك، عندما اندلعت الحرب بين اليونان وبلغاريا بسبب تتبع جندي يوناني كلبه إلى الحدود مع بلغاريا، ما أدى إلى إطلاق النار عليه ومصرعه، لتتصاعد الأحداث، وفي اليوم التالي، غزت اليونان مدينة « بتريتش » الحدودية، وفرضت « عصبة الأمم » عقوبات على اليونان، بعد سقوط 52 قتيلًا (جريدة الوطن\فبراير 2024)

ولأن « الجيوش تمشي على بطونها كما يقول نابليون » فإن الطعام في الحروب يسبق الذخيرة في الأهمية، وفي تقرير رقابي نشرته جريدة « الواشنطن بوست » في سبتمبر 2025 تم الكشف عن إنفاق وزارة الحرب الأمريكية على أنواع من الأطعمة بعينها وليس إجمالي ما تنفقه على « التعيين » لإعاشة جنود وضباط جيوشها وأساطيلها المنتشرة في البر والبحر والجو (والحيطة كمان بصوت عبد الفتاح القصري):

ـ إنفاق 15 مليون دولار على شرائح اللحم.. 7 ملايين لذيول الكركند (للأسف مفيش ترجمة).. 2 مليون دولار خُصِّصت لسلطعون البحر الملكي.. 140 ألف دولار لشراء حلوى « الدوناتس ».. 140 ألف دولار قيمة آلات لصنع الأيس كريم

عموما التاريخ ملىء بأشكال وأسباب مختلف لاندلاع الحروب، إلا إن « ما سبق كوم،وما لحق كوم تاني ».. فلأول مرة في تاريخ الصراعات الإنسانية تشن حكومة حربا على جيوب مواطنيها..!!

منذ أيام وجهت الحكومة المصرية ضربة جديدة للغالبية الكاسحة من الشعب المصري، عندما قررت زيادة أسعار البنزين بمقدار 3 جنيهات لكل نوع يستخدمه الغني والقادر والمستور والغلبان

براء الاقتصاد يرجعون الزيادة بارتفاع سعر برميل النفط والمتر المكعب من الغاز إلى الحرب الدائرة على إيران، وخبراء العسكرية يصفون الزيادة بـ »ضربة استباقية » من الحكومة، تسمح لها بالإسراع في إعلان زيادة أسعار المحروقات، لتضع الشعب، أمام أمر واقع، كان سيأتي عاجلا أو آجلا، سواء، لكن انطلاق المدافع على ايران والخليج، جاء من حسن حظ الحكومة، حيث أمطرت سماء الإقليم النفطي صواريخ، فانتهزت الحكومة الفرصة وأسكتت الجميع بحجة إغلاق مضيق هرمز ونقص إمدادات البترول والغاز وارتفاع تكاليفها، وسارعت بإعلان الزيادة قبل حلول عيد الأضحى، غير عابئة بالخسائر الفادحة التي سببتها الضربة الاستبقائية على جيوب الناس.. أما خبراء الأدلة « النقدية »، فيؤكدون أن الزيادة سيتحملها المواطن وحده دون غيره.. في الوقت نفسه، رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمستوردون، لن يتكبدوا، حيث يتم تحميل زيادة أسعار البنزين على فاتورة بيع سلعهم للمواطنين، دون أن تتأثر مداخيلهم، إن لم يحققوا أرباحا كبيرة، للمبالغة، في إعادة تسعير سلعهم تحت غطاء ارتفاع تكاليف النقل

ليست الضربة الأولى ولن تكون الأخيرة للجيوب، فالمصريون على مختلف شرائحهم الاجتماعية اعتادوا توجيه الضربات التي تشق الجيوب، ويتعايشون مع الشقاء في جميع الأوقات،.. عزاؤنا الوحيد في ذلك، أن جيوب المصريين دخلت التاريخ، باعتبارها واحدة من ضحايا العدوان الثلاثي على الإقليم، وصامدة صمود المقاومة، أمام حكومة، لا تعرف إلا شن الحروب عليها بضربات فجائية واستباقية، ولمؤخذة »حمصية » وِشَكْ في الحيط، وقفاك ليه، أنت وهوه وهيه