بقلم : محمد الشريف
في نشاط الألتراس على منعرجات الملاعب ومدرجاتها ديناميكية تبدو للوهلة الأولى غريبة لا منطق يحكمها، برموز وشيفرات وطلاسم خاصة تؤثر في السلوك العام للجمهور الواحد فتطفو على السطح من حين لآخر صراعات شرسة غامضة الأسباب والأطراف
ولفهم هذه الظاهرة المتعلقة بالوحدة والصراع والتجاذب والتنافر لدرجة العنف الشديد، يجب أن ننظر في الحديقة الخلفية للمجمعات ونطّلع على طريقة التفكير وأسلوب التعامل مع المستجدات وأخذ القرارات والمواقف
فأسباب الفعل ورد الفعل داخل مجموعات الألتراس محكومة بحالات محدودة في المكان والزمان وأي خلاف يُصفى في حينه بكل الطرق ثم ينتهي في توه ومكانه
ومشاريع التحركات والمواقف تعبّر عن فكرة تجول في خاطر الجمهور تبادر إحدى المجموعات أو أكثر للقيادة من بدايتها كفكرة وتصور إلى جمع المساهمات والتنفيذ، المهم ألا يحيد العمل عن عقيدة الألتراس
ويحترم بنيتها الفكرية
فعضو مجموعات الألتراس يبذل كل ما يستطيع للدفاع على هذه العقيدة والتعصب المفرط لا يعتبر عيبا بل هي مصدر اعتزاز وفخر والبروز في المعركة يمنع الاعتراف بالإخلاص وصدق الانتماء
وللتقدم أكثر في التفصيل والفهم، علينا أن نطّلع على مفهوم الجمهور لدى المفكر جوستاف لوبون، الذي يعتبر أن الجمهور الرياضي تكتل من البشر يمتلك خصائص جديدة مختلفة جداً عن خصائص كل فرد يشكله، وفيه طمس الشخصية الواعية للفرد، فتصبح أفكار الوحدات الصغرى المشكلة للجمهور موجهة في نفس الاتجاه، والكينونة خاضعة لقانون الوحدة العقلية للجماهير.
والجمهور الرياضي هو المتابع للأخبار والأحداث والتظاهرات، فيشجع ويناصر تلقائيا وذاتيا بلا قيد وشرط
ولم تخل الرياضة التونسية عبر تاريخها من الأحداث الدامية التي عاشتها الجماهير الرياضية
وعبر العقود من الزمن احتفظت الذاكرة الجماعية للجمهور الرياضي بأحداث أليمة سقط فيها ضحايا وجرحى لأسباب عديدة منها ما يتعلق بالجمهور ومنه ما يتعلق بالسلطة السياسية وأسلوب التعاطي مع الواقع والظرف العام
رغم ذلك تبقى أحداثا محدودة ومتفرقة وهذه الأحداث لا ترتقي في تواترها إلى الدرجة التي عرفتها في السنوات الأخيرة حين باتت شبحا مفزعا يجب التصدي له بنجاعة، ورغم اقتصار الحضور في أغلب الأحيان على جمهور الفريق المحلي فإن المدارج لم تخل من الصدامات والاشتباكات فيما بين مجموعات الألتراس للنادي الواحد، أو بينها وبين رجال الأمن
عرف مفهوم » الجمهور » ودوره أثناء المباراة تغّيرا جذريا حيث أفرز ظواهر جديدة ناتجة عن عقائد وأفكار قادمة من مدارج ملاعب عالمية فأصبحت مجموعات الألتراس أقرب إلى الرابطات الإخوانية تؤمن أنّه يجب عليها أن تفزع لنصرة النادي في مدرجات المباريات وفي أي مكان يلتقي فيه الأنصار ببعضهم البعض أو بأنصار الأندية الأخرى، فتتحرك في كتل لتهاجم وتتصدى.
وفي أوروبا وأمريكا اللاتينية تُقام معارك شرسة قبل المباريات بين مجموعات الناديين في مواقف السيارات والشوارع الخلفية للمدن فتطاردهم الشرطة وتعتقل بعضهم
والألتراس حركة داخل الحشود تعبيرا عن الانتماء والهوية والوجود هي سبب كاف للتضحية
الألتراس في الملاعب العالمية
ظهرت مجموعات الألتراس في نهايات الستينات عندما كانت الأوضاع مضطربة في إيطاليا، وعرفت فرنسا عام 1968 أوج الحركة الطلابية وفي كامل أوروبا، وهي علامة فارقة في تاريخ حراك اليسار الطلابي في العالم، تزامن هذا الاحتقان الاجتماعي مع ظهور مجموعة في مدرجات نادي سامدوريا الايطالي أطلقت على نفسها إسم
Ultra Tito cucchiarone
بعض المراجع رجّح ظهورها أول مرة في البرازيل عام 1940 بإسم تورسيدا، ثم انتقلت إلى أوروبا من خلال مدرجات ملاعب يوغوسلافيا وكرواتيا
حددت أهدفها في التعبير عن الهوية الجماعية والانتماء القوي للمجموعة الذي قد يتجاوز الانتماء للنادي ذاته.
وهي مستقلة إدارياً لا تتبع أحدا، ترفض رفضا باتا تدخل الرسميين والسياسيين فتمويلها ذاتي من تبرعات ومساهمات الأعضاء
تحبّذ الحضور في مدارج المنعرج « الفراج » أو كما يحلو تسميتها « الكورفا »
عدد كبير منهم يتبنى فكرا يساريا مناهضا للسلطة السياسية، قد ينضمون إلى الشارع للمشاركة في أي حراك اجتماعي، وفي مناسبات كثيرة تصدت الشرطة لجماهير الألتراس ونشرت قوائم سوداء لعناصر ممنوعين من دخول الملاعب
وكثيرا ما تدخلت الشرطة بقوة مبالغ فيها في مدارج المنعرجات واشتبكت مع الالتراس، والذاكرة الجماعية للجمهور الرياضي تحفظ أحداثا دامية وضحايا وجرحى من الجهتين
دونتها فيما يسمى « مانيفستو » مجموعات الألتراس وفي مذكرات ورسائل وإصدارات خاصة بها، أهمها المنشورات المتعلقة بتفسير وشرح معتقدها وفلسفتها، وعرض تصورات مجموعاتها للأدوار والرسالة
وطرح مواقفها من إدارة النادي والسلطة والنظام والشرطة والإعلام
ونورد مثالا من « مانيفستو »
You wanted us to be Puppets
Mere Merchandise in this country
You want the fans to be naïve
Singing only about titles
Never forget the Derby match
With closed doors
Our message is very clear
It is the people who rule
It has the power in this country
إلى نهاية المانيفستو
هذا « المانيفستو » تداولته منصات جماهيرية و، صيغ بلهجة حادة تحمل معاني القوة ورفض الخضوع، طالب بالاعتراف بالدور السياسي والاجتماعي للجماهير وعدم تهميشها، وهاجم الفساد والانحراف، مستعملا مصطلحات التحرر والتمرد حتى وإن كلفهم الاعتقال، مع التأكيد أنّ الولاء للنادي فعل مقاومة ونضال وصمود
الألتراس في مدرجات تونس
هي تعبيرة شبابية دخلت عقدها الثالث في ملاعبنا، قطعت مع الشكل القديم لمعنى مناصرة وتشجيع الأندية الرياضية التي بدأت بكرة القدم وتوسعت لباقي الرياضات الجماعية
وقد كان الأسلوب القديم في التشجيع يعتمد في أغلب الأحيان على حضور فرقة فلكلور في المدرجات مدفوعة الأجر من إدارة النادي تنشط الأجواء خلال المباراة
لكن لم يرق هذا الشكل للجيل الجديد من الجمهور الرياضي الذي أراد أن يعبّر عن نفسه كما يريد وبكامل إرادته وميولاته دون تدخل من أي كان
بكل استقلال وحرية ومواكبة لأجواء مدرجات الكرة العالمية
تطور فعل التشجيع والمناصرة إلى حركة ثقافية بمضامين عميقة تحمل أبعادا اجتماعية ومواقف سياسية تعبر بطريقتها ومصطلحاتها وأفكارها ترفض التبعية والتدخل الخارجي
أرجعت بعض الروايات ظهور أولى مجموعات الألتراس في منعطفات مدارج الملاعب التونسية الى سنة 1995 ثم انتشرت
لتظهر تواليا عشرات المجموعات تتنافس في إظهار الانتماء والولاء والوفاء للمبادئ المؤسسة، حيث ثبت نزولها للشارع ومشاركتها في أحداث الثورة التونسية من 17 ديسمبر 2010 إلى 14 جانفي 2011 ورددت مجموعات الألتراس أغاني منعرجات الملاعب في كل شوارع المدن التونسية، ويوم 14 جانفي 2011 كانت حاضرة بقوة في شارع الحبيب بورقيبة أمام وزارة الداخلية لطرد الدكتاتور
