الصحافة الصفراء تكتسح الفضاء الإعلامي 

بقلم : محمد الشريف

الحديث عن ظاهرة التدنّي والنزول بالمستوى القيمي والأخلاقي في الإعلام الجديد لا يجب أن يقف في حدود الربط فقط بالحاضر بما يحمله من تعقيدات وما طرأ عليه من مؤثرات جذرية غيرت الملامح والمفاهيم والتعاطي والبث وتلقي للمضامين الإعلامية على اختلافها وتنوعها 

فقد عرف تاريخ البشرية ما مهد لتواصل الظاهرة في أشكال وأنواع جديدة ملائمة للتطور العلمي والتكنلوجي الراهن وانتبه الناس لسهولة إيصال أي فكرة مهما كانت إلى أقاصي الدنيا بدون أي صعوبة أو رقابة أو حدود وزاحمت بقوة الإعلام الكلاسيكي الذي منه ما وقع في فخ اتباع هذا النهج خوفا من التخلف عن الركب والممثلون لهذا الاتجاه ملأتهم الخشية من أن تتجاوزهم الأحداث فركبوا الموجة وضربوا عرض الحائط بشرف مهنة الصحافة والإعلام وميثاقها 

 والتطرق إلى الجذور التاريخية لظاهرة الصحافة الصفراء والديبلويد والترند والبوز وهي مصطلحات العصر الرقمي الحديث، تحتّم علينا النظر أولا في سيرة الصحفي الأمريكي شارلز اندرسن دانا Charles Anderson Dana

الذي قرّر بعد خوض تجربة سياسيّة هامة الرجوع إلى مهنته الأصلية التي بدأ بها مشواره منذ الشباب وتدوين خلاصة تجاربه في كتاب يتحدث فيه عن مشاق المشوار وصعوباته ونشر عصارة تجاربه لسنوات طويلة، وصدر الكتاب عام 1900 تحت عنوان 

The art of newspaper making 

شرح من خلاله نظريته التي انتشرت فيما بعد في عالم الصحافة والإعلام وهي نظرية

MAN, BITES DOG

ونظرية « رجل عض كلبا  » التي تُدرس اليوم في كل جامعات الصحافة والإعلام كأحد المفاهيم الرئيسية، تقوم على اعتبار الخبر الأهم للقارئ هو الأكثر غرابة وإثارة وهو الذي يجذب الانتباه ويُلهب الفضول ويزيد الإقبال على الصحيفة فيساهم في مضاعفة التوزيع والمبيعات وتحقق الأرباح 

 ثم جاء بعده الأب الروحي للصحافة الصفراء راند ولف هيرست (1863/1951) ويقدم تحديا تاريخيا أقنع به المستثمرين في الإعلام والباحثين عن الربح الوفير عندما اشترى صحيفة « جورنال  » الأمريكية حين كانت توزع ثلاثين ألف نسخة فقط، وفي غضون أشهر قليلة وصل توزيعها إلى 400 ألف، فقد نجح راند في جلب القراء السلبيين الذين لا يحرصون على قراءة الصحف واستقطبهم إلى اقتناء صحيفته التي اعتمدت على فكر تسويقي جديد مطابقا لنظرية – دانا -التي تستند على مقولة  » الخبر هو رجل عض كلبا  » 

وهي صحف من قطع صغيرة تسمى  » التابلويد  » راجت في إنجلترا وأمريكا في القرنين 19 و20، وقد ساعد حجمها الصغير على منح خصوصية لقرائها أثناء مطالعة الفضائح الأخلاقية والشائعات وكل أنواع وأصناف الإثارة بهدف جذب القراء وإغرائهم لشراء الصحيفة والتي سميت بالصحافة الصفراء 

الصحافة الصفراء

هي نوع من أجناس الصحف التي توجه مادتها تحت مسمي  » اختبار المشاعر بالوكالة  » 

AGENCY IN EMOTIONS 

وهي متعة مطالعة تفاصيل الجرائم والقصص الغرامية والجوانب الخفية من حياة المشاهير من الفنانين والسياسيين ونجوم الرياضة، تعتمد على الملاحقات والتجسس والمراقبة وتعرف ب  » البابارازي  » 

هذه الصحافة التي تعتمد على التهويل والتضخيم والانتقاء والتعتيم والتمويه والتشويه واستثارة الغرائز غاياتها ذاتية وأنانية ضيقة فقط لرفع نسب الاهتمام وكما تسمى اليوم نسب المشاهدة والمتابعة والمشاركة لاستدراج الرعاة وإعلانات الإشهار في تلفزيون التابلويدTabloid television

وهو صنف من صحافة التابلويد التي تقدم نشرات إخبارية وقصصا مثيرة تركز على الإثارة والجريمة والتفاصيل الحميمة للحياة الخاصة يلتقطها المصورون لمشاهير الفن والرياضة والسياسة وتدعى صحافة الإثارة والترفيه 

SENSATIONAL/ENTERTAINMENT PRESS 

انتشرت في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين ببرامج التابلويد الحوارية 

وهي البرامج التي انطلقت بقوة في تونس بعد 14 جانفي   2011 وانتشرت بسرعة مستغلة مناخ حرية التعبير والانفجار في ظهور الأعداد الكبيرة من وسائل الإعلام التي كسرت قيود احتكارها من السلطة الحاكمة 

فنشطت وسائل الإعلام الخاصة التي ركضت وراء جذب المشاهدة بكل الطرق وتحقيق أعلى نسبها لجلب الرعاة ولفت انتباه رجال الأعمال و

أصحاب المصالح المختلفة.

والمؤسف أنّ ملاحقة هذه الأهداف أخذت أساليب جديدة من الاستدراج والتملق والتمسح على الأعتاب 

البابارازي PAPPARAZZI

هو مصطلح أطلق على المصورين الفوتوغرافيين الذين يلاحقون المشاهير من رجال ونساء الفن والرياضة والسياسة ويلتقطون صورا من حياتهم الخاصة شديدة الخصوصية يصل إلى حد اقتحام البيوت والتلصص 

وظهر هذا المصطلح عام 1960 في فلم سينمائي إيطالي للمخرج فيديريكو فيليني بعنوان LA DOLCE VITA– الحياة الجميلة – 

بمعنى المصور المتطفل والمزعج للنجوم والمشاهير الساخرمن الترف واللامبالاة في المجتمع الإيطالي فترة ما بعد الحرب 

ووظفت الصحافة الصفراء هذا الصنف من المصورين واستغلت الصور الفضائحية التي يلتقطونها لتكون صور غلاف أو صورا مؤثثة للصفحة الأولى

وخاصية مصور البابارازي أنه مصور مستقل تدر عليه حرفته الأموال الطائلة وتسعر الصور حسب قيمة النجمة أو النجم وفضاعة السلوك الفاضح أو السر الذي كشف من الخصوصيات 

ويعتبر المصور الأمريكي ذو الأصول الإيطالية رون غاليلا

RON GALELLA

من أشهر مصوري البابارازي في تاريخ الإعلام و قد نظم الكثير من المعارض حول العالم عرض خلالها أشهر وأهم الصور التي التقطها في مشواره المهني الطويل وقصصه مع مشاهير هوليود ورجال السياسة والرياضة ورجال الأعمال 

وأشهر قصصه كانت مع (جاكلين كندي) أرملة الرئيس الأمريكي السابق (جون كندي) عام 1971 وعرفت باسم WINDBLOWN JACKIE

ودخوله معها في معارك قضائية طويلة عندما ضاقت به ذرعا بملاحقته لها والصور المسيئة التي كان ينشرها في مختلف وسائل الإعلام الأمريكية خاصة بعد اغتيال زوجها (جون كندي) وعلاقتها مع الملياردير الشهير (أوناسيس) 

فضلا عن قصته مع نجم السينما الامريكية في السبعينات (مارلين براندو) الذي تعامل معه بعنف 

وتبقى القصة الأكثر درامية هي التي أنهت حياة الأميرة البريطانية ديانا أشهر ضحايا مصوري (الباباراتزي) عندما حاول سائق السيارة التي تقلها في أحد أنفاق باريس الفرار من مصوّري البابارازي فخرجت السيارة عن السيطرة وارتطمت بأحد أعمدة النفق 

الباباراتزي ومشاهير الرياضة 

وفي العشرية الاخيرة اشتهر المصور الايطالي  » فابريزيو كورونا بابرز  » بصوره الفاضحة التي انتشرت في إيطاليا وأوروبا عامة 

فقد التقط صورا مثيرة لرئيس الوزراء الإيطالي وصاحب مملكة الإعلام الضخمة ورئيس فريق جوفنتوس الإيطالي سلفيو برلوسكوني،و عرفت بفضيحة فالاتو بولي VALLETTOPOLI

كما لم يفلت نجوم كرة القدم من لصوصيته و منهم فرانشيسكو توتي واندريا بيرلو

وقد يكون هو من جعل البابارازي رياضيا بامتياز وجعل من الرياضيين مادة إعلامية مثيرة بعيدا عن المباريات الرياضية والملاعب فركزت الصور على الحياة الخاصة والشخصية أكثر من تركيزها على الأداء فوق الميدان 

وعاش اللاعب الأرجنتيني دياغو مارادونا أوقاتاصعبة في إيطاليا عندما لاحقته كاميرات الباباراتزي في نابولي وعرضته لمسائلات قضائية واجتماعية ولم تتركه حتى عندما توقف عن اللعب وقد أصبحت حياته الخاصة مادة دسمة للصحافة الصفراء وإعلام الترفيه فـزادت في نجوميته وأثرت في حالته النفسية  

ويتواصل هذا الفعل الإعلامي الفاضح بقصص إخبارية صفراء تتناول مشاهير الكرة وتنشر صورهم في بيوتهم مقتحمة خصوصياتهم الشخصية

فلا ينجو اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو من ملاحقة لحياته الخاصة وصور الإجازات والأحداث الاجتماعية والأمر ذاته يتكرر وإن بأشكال مختلفة مع ليونيل ميسي وكيليان مبابي وقضية التحرش والعلاقات العاطفية لنيمار وجونيور ولامين يامال وغيرها

ونتابع اليوم نوعا إضافيا جديدا لصور الباباراتزي المعدل بالذكاء الاصطناعي وهي تقليعة مستحدثة يقينا ستزيد في الطين بلة 

الأخبار المفبركة والمزيفة  » الفايك نيوز »

لم يكن الخبر المزيف والمفبرك حكرا على الراهن الحالي ومنحصرا في هذه الأزمنة فقط بل منذ القديم تناقل الناس الأخبار المضللة والمغالطة للحقيقة لكن كان التأثير محدودا في الزمان والمكان، وبانتشار وسائل الاتصال الحديثة وتطور تكنولوجية المعلومات من خلال منصات التواصل الاجتماعي ازداد التدفق والسرعة عبر شبكة الأنترنت فلم تترك للناس الوقت الكافي للتحقق من هذا الكم الهائل من الأخبار وتدقيق صحتها، مما أفرز نتائج وأضرارا لم يكن لأحد أن يتوقعها بما في ذلك صنّاعها ومؤلفوها أنفسهم

ما جعل عالم النفس الأمريكي كيث آبلو يؤكد على ترابط السلوك السياسي والاجتماعي والنفسي مع الظواهر الإعلامية والسياسية من جهة ومع التلاعب النفسي والإدراك من جهة أخرى. 

فتحدث شارحا تأثير الإعلام في تشكيل الوعي الجمعي من خلال جعل الناس يصدّقون تلقائيا الأخبار الكاذبة بطريقة – التحيز التأكيدي – 

CONFIRMATION BIAS 

وهو الميل إلى البحث عن المعلومة وتفسيرها وتذكّرها لتأكيد معتقد أو آراء مسبقة أو التجاهل أو التقليل من شأن ما يناقضها، فيتناول الناس الأخبار المفبركة بانتقاء ثم يساهمون في نشرها مصدقين بما يتماشى مع قناعاتهم ويرفضون ما يعارضها حتى لو كان حقيقيا 

والخبر الكاذب فور انتشاره يجد أنصارا يشاركونه بسرعة دون التحقق لأنهم أرادوا له أن يكون صحيحا 

 تخدم ذلك منصات التواصل الاجتماعي وسرعة وكثافة الشبكات الاجتماعية التي سلبت الوقت الكافي للتحقق من الأخبار الكاذبة 

ففي الماضي كانت صناعة الأخبار والقصص الخيالية تحدث بوتيرة بطيئة الانتشار تستغرق سنينا طويلة لتصل إلى المدى الذي يؤثر في مجموعات كبيرة من البشر كي يغير شيئا ويؤثر في الأفكار والآراء والتوجهات والطبائع  

وبفضل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبحت عبارة الأخبار المفبركة (فايكنيوز) واسعة الانتشار فمنذ عامه الأول لفترته الرئاسية الأولى 2017- 2021 كرر العبارة خلال تغريداته 196 مرة متهجما على وسائل الإعلام أو في رده على الأخبار التي لا يتفق معها ويصفها بالمعادية له.

ولشدة وعي الحكومات الغربية بخطورة الأخبار المفبركة التي تهدد أمنها القومي أنشأت وحدات خاصة في مجال الأمن الوطني لمواجهتها وصعّدت الضغط على الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي والتي تجني أرباحا طائلة.

وفي ديسمبر 2017 وجهت لإدارة الفايسبوك انتقادات كشفت على فضيحة كبرى تعلقت بنشره الأخبار الزائفة إثر التقرير الذي نشرته شركة التحليلات  » جمب شوت  » JUMPSHOT 

وأدانته كموزع رئيسي للأخبار الزائفة والمفبركة والمنحازة، وكشف التقرير عن بيع إدارة الفيسبوك بيانات تصفح المستخدمين وقدمتها إلى مؤسسات تجارية عالمية أشارت إلى أن 

70% من الزيارات موجهة للمواقع الوهمية 

و30% فقط للمواقع الإخبارية المهنية 

لذلك نشّط الفايسبوك تعامله مع شركات متخصصة في مراجعة الحقائق مثل  » سنوبس  » و  » أيه. بي. سي نيوز  » و  » اسوشيتد برس  » للتأكد من مصداقية القصص إثر الانتخابات الأمريكية في2016 على أنها نشرت أخبارا مفبركة ودعاية سياسية وتوجهت لإنشاء برنامج التحقق من الأخبار 

FACT-CHECKING PROGRAM 

IFCN.NETWORK 

للحد من المحتوى المشكوك فيه عبر الذكاء الاصطناعي وبلاغات المستخدمين 

لكن ذلك لم يحل المشكل بل بقيت مسألة الشفافية والجدل حولها قائما والاتهامات مواصلة بما أن العمل يستمر بنظام التوصية والخوارزميات التي تفضّل المحتوى المثير للجدل الذي يضخم المحتوى الانفعالي والمستقطب

وأكد خبراء التكنولوجيا الحديثة على أن المشكل معقد في الحد من انتشار الأخبار الزائفة لطبيعة المنصة نفسها التي تقوم خوارزمياتها على تحفيز التفاعل لا التحقق من المضمون والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الفضول و هو الذي يحظى بأكبر قدر من الانتشار مقابل محدودية وبطء التدقيق البشرى إلى جانب تداول هذه الأخبار في دوائر مجموعات مغلقة 

في الوقت الذي يقدم الفايسبوك نفسه كوسيط محايد، نراه في الحقيقة يتحكم في خوارزميات التوصية ما يجعل المنصة فاعلا سياسيا واجتماعيا أكثر من كونها مجرد وسيلة تواصل 

ويبقى إجراء مقاومة الأخبار الزائفة شكليا لا أكثر لطبيعة النظام الاقتصادي للمنصة القائم على نفس العناصر التي تغذي الفوضى الإعلامية من جذب وتفاعل وتأثير سريع في الوعي الجمعي 

الإثارة و (البوز):

في ظل الفوضى الشاملة التي عمت البلاد والعباد بعد الثورة ومنها الفوضى الإعلامية اكتسح الفضاء الإعلامي مصطلح جديد عرف 

(بالبوز)و الترند في وسائل الإعلام و أصبحت المادة الإعلامية الأكثر إقبالا هي الاأثر سطحية و تفاهة منحت الشهرة و الانتشار لنكرات يقدمون وجهات نظرهم على المنابر الإعلامية التي تخلو من المضامين و العمق الإنساني و الأخلاقي يطلقون العنان للإيحاءات اللاأخلاقية و السب و الشتم و التحريض و التفرقة و تغذية الصراعات و العداوات تحت غطاء حرية الرأي و التعبير بهدف تحقيق أعلى نسب المشاهدة و الأرباح عن طريق لعبة روّج لها الصحفي الأمريكي المثير للجدل والاستفزاز 

( ديفد بوز) . 

وهو كاتب ليبرالي ولد في 1953 وزاول النشر في صحف عديدة مثل (لوس أنجلس نيوز) و(نيويورك تايمز) و(وال ستريت جورنال) و (واشنطن بوسط) و (لوس أنجلس تايمز) و (ناشيونال نيوز) وكان ضيفا دائما في البرامج التلفزيونية والإذاعية الأمريكية مثل إذاعات (فوكس نيوز) و(بي بي سي) و(صوت أمريكا) وغيرها ينظّر ويطالب بإضفاء الطابع القانوني على المخدرات وترك الاختيار المجتمعي لمن يريد أن يتعلم أو لا يفعل 

وبعد الثورة انخرط الإعلام التونسي ومنه الرياضي في هذه الفوضى التي أصابت المتلقي بحالة من التشويش والضبابية في استقاء المعلومة وتحديد المواقف 

وركّزت وسائل الإعلام على خلق محتوى مثير للجدل يتفاعل معه الجمهور ويردده فيصبح –تراندا – أي رائجا وشائعا على أوسع نطاق لمدة أطول من المدة التي يستغرقها البوز باستمرار التفاعل والمشاركة على المنصات الاجتماعية 

واشتد الانخراط في دائرة العبث بأن كثفت وسائل الإعلام الجديدة في تكريس الأخبار المفبركة والمثيرة للجدل في الإعلام عموما والإعلام الرياضي خصوصا واللعب على مشاعر الجمهور وحماسه وأنصار الأندية الرياضية وجماهيرها 

إلى أن تحول الى عنف معنوي ومادي يخرج عن السيطرة ويذهب في اتجاهات خطيرة على الأفراد والمعدات والمنشآت والنظام العام والأمن القومي.