بقلم : منية بن الهويدي
لم تعد قضية رامي الرحموني مجرد جدل عابر أو مادة للتأويل في فضاء التواصل الاجتماعي. بعد تصريحات رئيسة الجامعة التونسية للسباحة، اتضحت معطيات أساسية : عقد أهداف بقيمة 330 ألف دينارتونسي، منحة شهرية قارة، تأطير فني بفرنسا، وبرنامج متابعة خاص لا يتحصل عليه سباح آخر في سنّه. بهذه الأرقام، يسقط جزء من السردية التي اختزلت المسألة في “إهمال الدولة” أو “غياب الدعم”. لسنا أمام موهبة تُركت وحيدة في مسبح مهترئ، بل أمام مشروع حظي برهان رسمي واضح
لكن في المقابل، برز عنصر لا يمكن القفز فوقه: عرض خارجي وُصف بأنه “فلكي” بمقاييسنا. وهنا يتغير منسوب النقاش. حين يصبح الفارق بين عرضين بهذا الحجم، لا يعود الحديث عن تحسين شروط، بل عن انتقال كامل في مستوى الإمكانات. نحن لا نقارن بين منحتين، بل بين منظومتين: منظومة بإمكانات محدودة لكنها حاضرة، وأخرى تملك من الموارد ما يسمح لها ببناء مشروع بطل داخل بيئة شاملة، مستقرة، ومضمونة على المدى الطويل
من الطبيعي أن يُقرأ القرار المحتمل بعين الفرد أولًا. رياضة السباحة قاسية، عمرها التنافسي قصير، والفرص الكبرى لا تتكرر كثيرًا. الشاب الذي يجد أمامه عرضًا يغير مسار حياته المهني والمادي سيخضع حتمًا لحسابات معقدة. هذا منطق احترافي بحت، لا يمكن إنكاره أو شيطنته. لكن في المقابل، تمثيل الراية الوطنية ليس تفصيلًا إداريًا عابرًا. هو امتداد لرمزية، لذاكرة جماعية، ولحلم يتجاوز الفرد ليصل إلى آلاف الأطفال الذين يرون في البطل صورة ممكنة لأنفسهم
التخوين في مثل هذه اللحظات سهل ومريح عاطفيًا، لكنه لا يبني منظومة. وفي المقابل، التطبيع الكامل مع فكرة أن أي مشروع بطل قابل لإعادة التموضع فور ظهور عرض أكبر، يحمل خطرًا ثقافيًا عميقًا. إذا تحوّل الولاء الرياضي إلى عنصر قابل للمفاضلة الدائمة، فإننا نكون أمام تحوّل في مفهوم الانتماء نفسه. هنا لا يتعلق الأمر باسم واحد، بل برسالة غير مباشرة إلى جيل كامل: أن السقف الوطني قابل للاستبدال متى توفرت إمكانات أعلى في مكان آخر
غير أن المشكلة أعمق من مسألة أرقام. الخلل الحقيقي يكمن في غياب رؤية استباقية. العالم الرياضي اليوم تحكمه استراتيجيات دولة، ومشاريع تُدار بعقلية استثمار طويل المدى. لا يكفي أن نوفر عقد أهداف ومنحة وتأطيرًا، بل يجب أن يشعر الرياضي أنه جزء من مشروع متكامل يمتد لسنوات، وأن مستقبله مؤمَّن داخل هذه المنظومة قبل البطولة وبعدها. كثير من القرارات الكبرى لا تُتخذ فقط بسبب المال، بل بسبب الإحساس بالأفق
هنا يبرز سؤال أوسع من الرياضة: كيف نُعيد بناء علاقة الجيل الجديد بفكرة الانتماء؟ الولاء لا يُصنع في أحواض السباحة فقط، بل في المدرسة، في الخطاب العام، في شعور الشاب بأن وطنه يمنحه فرصة عادلة للنمو. حين يضيق الأفق الداخلي، يصبح الخارج أكثر من فرصة… يصبح خلاصًا. وهذه ليست تهمة لجيل، بل توصيف لواقع اجتماعي واقتصادي وسياسي تشكّل خلال سنوات طويلة
صحيح أن تونس ليست دولة بموارد مالية مفتوحة، ولن تكون قادرة على دخول سباق أرقام بلا سقف. لكنها قادرة على دخول سباق رؤية. يمكنها أن تبني مراكز أداء عالية المستوى، أن تطور آليات تعاقدية تحمي الاستثمار العمومي دون أن تخلق شعورًا بالقيد، أن تؤمّن مسارات مهنية واضحة للرياضيين بعد الاعتزال، وأن تدير التواصل بشفافية تمنع فراغ المعلومات الذي يولّد الإشاعات والغضب
الحل لا يكون بردود فعل ظرفية، بل بإصلاح هيكلي: خطط فردية طويلة المدى لكل موهبة واعدة، شراكات حقيقية مع العائلة والمحيط، آليات تعويض عادلة في حال تغيير الجنسية الرياضية، وصندوق وطني مرن يتدخل عند اللحظات الحساسة. الأهم من ذلك، بناء ثقة مستمرة بين الرياضي ومنظومته، بحيث يصبح قرار البقاء منطقيًا قبل أن يكون عاطفيًا
قضية رامي الرحموني، سواء انتهت بالبقاء أو بالرحيل، يجب ألا تُختزل في محاكمة شخص. هي لحظة مراجعة جماعية. قد تكون خسارة اسم واعد موجعة، لكن الأخطر هو أن نخسر الدرس. البلدان التي تحوّل صدماتها إلى وعي مؤسساتي لا تخسر المستقبل، بل تعيد صياغته
السؤال إذن ليس: هل سيختار هذا الرياضي أو ذاك عرضًا أكبر؟
السؤال الحقيقي هو: هل سنبني منظومة تجعل أفضل نسخة من أحلام شبابنا ممكنة هنا… لا هناك؟

