بقلم : طارق المنجي المجريسي
الجمعة 13-12-2024
في عام 1994، كانت لحظة فارقة في مسيرتي الدراسية، حيث اجتزت امتحان السيزيام، الذي كان بمثابة ختم لدروس المرحلة الابتدائية. تزامن الامتحان التجريبي مع عيد الأضحى، مما أضفى على الأجواء طابعًا خاصًا من الاحتفالات والفرح. لكن القدر كان له رأي آخر، فقد تعرضت لوعكة صحية حالت دون إكمال الامتحان، وعشت في حالة من القلق والتوتر.
كان والدي، رحمه الله، أحد رجال التعليم الذين شهدوا بناء الدولة في الستينات. كان إنسانًا حكيمًا، يحمل في قلبه حبًا عميقًا للعلم والمعرفة. وعندما أخبرته بما حدث، لم يوبخني أو يعاتبني على عدم إكمال الامتحان. بل على العكس، احتضنني بكلماته الطيبة قائلاً: « أنا أؤمن بقدراتك، أحمد الله على سلامتك. » كانت تلك الكلمات بمثابة بلسم لجروحي النفسية، حيث منحني الثقة في نفسي وفي مستقبلي.
ورغم أنني حصلت على 46 من 50 في مادة الرياضيات، وهو معدل جيد جدًا، إلا أن والدي لم يكن يهتم بالمعدل بقدر ما كان يركز على سلوكي وتطوري الفكري. كان يؤمن بأن التعليم ليس مجرد درجات أو أرقام، بل هو رحلة من الاكتشاف والنمو الشخصي. كان دائمًا يشجعني على المطالعة، بغض النظر عن نوع الكتب. كان يرى في القراءة وسيلة لتوسيع آفاق الفكر وتنمية الإدراك. « المعرفة لا تقتصر على الكتب المدرسية فقط »، كان يقول لي. « كل كتاب تقرأه يضيف لبنة جديدة إلى صرح عقلك. »
من خلال تجربتي الشخصية، أود أن أوجه رسالة إلى الآباء والأمهات: دعوا أبناءكم يدرسون ويتعلمون دون تسليط الضغوط عليهم. لا تجعلوا المعدلات هي المقياس الوحيد للنجاح. فالتعليم هو أكثر من مجرد درجات؛ إنه بناء شخصية قادرة على التفكير النقدي والإبداع.
إن التجربة التي مررت بها تعلمت منها الكثير. كانت دروس الحياة التي تلقيتها من والدي هي التي شكلتني وجعلتني أدرك أن النجاح ليس محصورًا في الأرقام، بل هو رحلة مستمرة من التعلم والنمو. فلنحرص جميعًا على دعم أبنائنا في هذه الرحلة، ولنكن لهم مرشدين وداعمين في كل خطوة يخطونها نحو مستقبل مشرق.
